القائمة الرئيسية

الصفحات

«في أمرِ القلوب»

يجول بخاطري اليوم سؤالٌ لم يفارقني منذ أمد، ويطرق أبواب فكري كلما خلوتُ إلى نفسي؛ سؤالٌ أبحث له عن جوابٍ يطمئن القلب ويُسكن اضطرابه.

كيف لإنسانٍ كان بالأمس القريب غريبًا لا تربطني به صلةُ رحمٍ ولا سابقُ معرفة، أن يغدو في زمنٍ وجيز أقربَ الناس إلى قلبي؟ كيف له أن يتجاوز المسافات التي عجز غيره عن تجاوزها في سنوات، وأن يجد له موضعًا في نفسٍ أرهقتها الخيبات وأوجعتها خذلانُ البشر؟

كيف يأتي هذا الغريب، والقلبُ قد أوصد أبوابه خوفًا، فيبسط له بساط الطمأنينة، ويُسقط عن روحه أثقال الحذر، حتى يألفه القلب ألفةَ الأرض للمطر، والظمآن للماء؟ ثم كيف يصبح حضوره سكينةً لا تُشبه سواها، وغيابه فراغًا لا يملؤه أحد؟

ما السرُّ الذي يجعل المرء يفتش عنه بين الوجوه، وإن كان الجميع حاضرًا؟ ولماذا تضيق الدنيا على سعتها حين يغيب، ثم تتسع بابتسامةٍ منه أو كلمة؟

أهو اعتيادٌ صنعته الأيام؟ أم أن الأرواح تتعارف في موطنٍ لا نعلمه، ثم تلتقي في هذه الحياة فتشعر أنها عادت إلى شيءٍ كان ينقصها منذ زمن؟

لا أدري.

كل ما أدريه أن بعض الأشخاص لا يدخلون حياتنا كعابرين، بل يأتون إليها كأنهم استجابة لدعاءٍ قديم، أو جبرٌ خفيٌّ أرسله اللّـه إلى قلبٍ أنهكته المعارك.. يأتون دون موعد، ودون استئذان، ثم يتركون في أرواحنا أثرًا لا تمحوه الأيام.

ولعل أعجب ما في الأمر أن القلب، رغم كل ما ذاقه من الخذلان، ما زال قادرًا على أن يؤمن، وأن يفتح نافذةً جديدة للنور، وأن يمنح ثقته مرةً أخرى لِمَن أشعره بالأمان.

فسبحان مَـن يجعل من الغريب وطنًا، ومن الصدفة قدرًا تكن بداية حياة.

 من مذكراتي |خديجة عوض


تعليقات

التنقل السريع